الآمدي

142

الاحكام

ولجاز أن يصدر عن العبد أفعال محكمة بديعة ، وهو لا يشعر بها ، ولما انقسم فعله إلى طاعة ومعصية ، لأنه ليس من فعله ، ولكان الرب تعالى أضر على العبد من إبليس ، حيث إنه خلق فيه الكفر وعاقبه عليه ، وإبليس داع لا غير . ولما حسن شكر العبد ولا ذمه على أفعاله ، ولا أمره ولا نهيه ، ولا عقابه ولا ثوابه ، ولكان الرب تعالى آمرا للعبد بفعل نفسه ، وهو قبيح معدود عند العقلاء من الجهل والحمق ، ولكان الكفر والايمان من قضاء الله تعالى وقدره ، وهو إما أن يكون حقا أو باطلا . فإن كان حقا ، فالكفر حق ، وإن كان باطلا ، فالايمان باطل ، ولكان الرب تعالى إما راضيا به أو غير راض ، والأول يلزم منه الرضى بالكفر ، والثاني يلزم منه عدم الرضى بالايمان ، والكل محال مخالف للاجماع . وأما النقل ، فقوله تعالى : * ( وإني لغفار لمن تاب وآمن ، وعمل صالحا ) * ( 20 ) طه : 82 ) وقوله تعالى : * ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات ) * ( 45 ) الجاثية : 21 ) وقول النبي عليه السلام : اعملوا وقاربوا وسددوا وقوله عليه السلام : نية المؤمن خير من عمله إلى غير ذلك من النصوص الدالة على نسبة العمل إلى العبد ، والعقلاء متوافقون على إطلاق إضافة الفعل إلى العبد بقولهم : فلان فعل كذا وكذا . والأصل في الاطلاق الحقيقة . وأما المسلك الثاني : فهو أن تعلق علم الباري تعالى بالفعل أو بعدمه ، إما أن يكون موجبا لوجود ما علم وجوده ، وامتناع وجود ما علم عدمه ، أو لا يكون كذلك . فإن كان الأول ، فليزمه محالات ، وهو أن يكون العلم هو القدرة ، أو أن يستغنى به عن القدرة ، ولا يكون الرب قادرا على إيجاد شئ أو عدمه ، وأن لا يكون للرب اختيار ، ولا للعبد في وجود فعل من الافعال لكونه واجبا بالعلم ، أو ممتنعا ، وإن لم يكن موجبا للوجود ولا للعدم ، فقد بطل الاستدلال ، وإن سلم ذلك ، لكنه معارض بما سبق من الأدلة العقلية والنقلية . والجواب عما ذكروه أولا على المسلك الأول بأن الفعل المخلوق للعبد بتقدير خلقه له مخلوق بجميع أجزائه ، وكل جزء منه مخلوق له بانفراده ، فيجب أن